عندما يصبح الرأي الحر جريمة

تزداد القيود التي تفرضها السلطات السعودية على الصحفيين وعلى حرية الرأي في الإعلام، وآخر هذه القيود ماقررته صحيفة الحياة على لسان الناشر خالد بن سلطان من وقف التعامل مع الصحفي جمال خاشقجي والسبب هو مشاركته في مؤتمر منظمة القسط الأول الذي عقد في لندن في 9 ديسمبر الجاري.

 

وفي تصريح نشرته الصحيفة، وصف خالد بن سلطان تلك المشاركة بـالتجاوزاتووصف المؤتمر الحقوقي لمنظمة القسط بأنهلقاء مشبوه يسعى للإساءة إلى المملكة، في تمادٍ جديد وانتهاك صارخ لمحاولات التعبير عن الرأي وإبداء الرأي لأصحاب القرار في المملكة.

 

وفي أول رد فعل على هذا القرار، قال يحيى العسيري، رئيس منظمة القسط، إن مؤتمر المنظمة الأول كانتجمعاً شمل أطياف المجتمع بكافة تنوعاته، ليتحدثوا عن وطنهم، وهو ما لم يحدث ولو لمرة واحدة في وطننا .. فهل اجتماع الكلمة ووضوح الرؤية والهدف يعتبر تجمعاً مشبوهاً؟!”

 

وقد زعم القرار أن مشاركة الكاتب خاشقجي في مؤتمر القسط انتهاك صارخ لميثاق الشرف الصحفي الخاص بصحيفة الحياة، وقد عدنا إلى نص ذلك الميثاق لنجد أن قرار وقف التعامل مع خاشقجي هو الذي ينتهك ذلك الميثاق .. فمن أبرز بنود ذلك الميثاق أن رسالة الصحيفة هيرسالة أخلاقية تدعو لحفظ النفس والعرض وتهتم بتحقيق رفاهية الإنسان والدفاع عن حقوقه.”  فهل من حفظ النفس والدفاع عن الحقوق وقف التعامل مع صحفي حر لطالما قال كلمة ناصحة لأصحاب القرار .. وحتى في كلمته الأخيرة بمؤتمر القسط، جدد خاشقجي المطالبة بضرورة إيجاد مساحة نقاش حر في الصحافة وضرورة الدفع نحو قدرٍ من المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات ..

هذه المطالبة أيضاً تتوافق مع ميثاق الشرف الصحفي الذي ينص أنّ الصحافةرسالة سامية تسعى لتحقيق أهداف نبيلة وقيم عظيمة“.

وليس هذا القرار إلا واحداً من عشرات الخطوات التعسفية التي سبق وقامت بها السلطات ضد الصحفيين أصحاب الكلمة الحرة، سواء من بقي منهم داخل المملكة أو من اضطر للمغادرة بسبب الضغوط المتكررة عليه للحديث في اتجاه واحد وهو التهليل والتطبيل لإنجازات الحكومة فقط لا أكثر ..

 

وقد سبق وفرضت السلطات على عدد من الصحفيين الاستقالة من وسائل إعلام تختلف توجهاتها عن توجهات الحكومة، بل وإنها أغلقت منصاتهم على تويتر ومنعتهم من الكتابة حتى إشعار آخر.

 

هكذا هي الحال في بلدٍ يتفنن بانتهاك حقوق الإنسان ولاسيما حق التعبير عن الرأي .. بلدٌ يغيب فيه الإعلام المستقل ولايخرج على شاشاته أو أوراق صحفه إلا رأي واحد يفاخر بإنجازات الحكومة .. وقد ظهر ذلك جلياً منذ مطلع شهر نوفمبر الفائت عندما أعلنت السلطات أنها أطلقت حملة من أجل مكافحة الفساد، فما كان من الإعلام إلا أن أطلق بالتوازي حملة تُفاخِر بإنجازات لجنة مكافحة الفساد، ولم نرَ بالمقابل أي صوت آخر على الإعلام يدعو مثلاً إلى إيجاد قضاء مستقل أو إلى إطلاق محاسبة عادلة تطال الجميع من دون استثناء، ولانظن أننا قد نرى هذا الصوت على الأقل في المدى المنظور.