سجن الحائر ومحاولة حرف البوصلة

بعبارة ساخرة تستخف بالمعتقلين ومشاعر ذويهم، استهل برنامج ياهلا على روتانا خليجية حلقة موضوعها سجن الحائر، فقال إنّ البرنامج سيأخذ المشاهد في رحلة إلى “ماوراء الشمس”، في إشارة إلى عبارة يتهامس بها العامة عند ذكر سجن الحائر، فهو ليس اسماً عادياً، بل هو اسم أحد أسوأ عشرة سجون على مستوى العالم بأجمعه.

وتبدأ رحلة الأكاذيب، لينسج البرنامج على مدار أكثر من نصف ساعة صوراً ومشاهد من الخيال، زاعماً أنها موجودة بالفعل داخل السجن، فيتحدث عن غرف اعتقال فاخرة تصلها الشمس والتهوية، وعن مكتبات وملاعب رياضية واسعة، وقاعات لممارسة الرسم والموسيقى، واستديو بث إذاعي ومرئي، ووحدة فندقية فاخرة اسمها “بيت العائلة” مخصصة لزيارات ذوي المعتقلين، وبرنامج تأهيل تربوي ونفسي.

ولا يغفل البرنامج بالطبع أن يزخرف أكاذيبه هذه بشهادات ملفقة لأشخاص أسماهم معدو البرنامج نزلاء في السجن، وهم يتمنون لو يقضون عمرهم داخل ذلك المكان لشدة روعته .. ولا ينسى البرنامج بالطبع أن يختم أيضاً بملاحظة ساخرة تقول إن هذه الرحلة ستمنع الناس من أن ينسجوا بعد اليوم أساطير خرافية حول هذا السجن.

لكن ما تعامى عنه البرنامج عن قصد وتكتم عن ذكره تماماً، أن هذا السجن سبق أن اعتقل فيه شخصيات اعتبارية شاهدت الحقيقة، وأخرجت جزءاً منها إلى النور لتكون بمثابة توثيق للحقائق التي سخر منها البرنامج وأسماها أساطير ..

في هذا السجن، اعتقل فيما سبق الدكتور عبدالله الحامد، وعبدالرحمن اللاحم، وعلي الدميني ومحمد الودعاني، وغيرهم، وقد رأوا مايمارسه السجانون من ألوان التعذيب الوحشي على المعتقلين ورأوا كيف أن الموت تحت التعذيب هو مشهد يومي، وكيف أن المعتقلين لا يرون نور الشمس ولا يستنشقون إلا الهواء الممزوج برائحة الدم والألم، ولا يعرفون للراحة طعماً .. رأى اولئك كيف تتم إهانة المسنين، وإذلال أهل العلم، واحتقار الأكاديميين والاستهزاء بحملة الشهادات العليا .. رأوا كيف تُصفَع الوجوه وكيف تمزّق السياط الجلد، وتفصل اللحم عن العظم، وكيف تنتهك الأعراض، وكيف تطفأ أعقاب السجائر في الأماكن الحساسة من الجسم.. هؤلاء رأوا بالفعل مامعنى أن الداخل إلى سجن الحائر يذهب إلى ماوراء الشمس، وإن عاد يوماً .. فلن يعود بنفس الجسد ولا بنفس الروح .. هؤلاء رأوا أن جميع التقارير التي نشرتها هيومن رايتس ووتش وجمعية الحقوق المدنية والسياسية السعودية “حسم”، ومنظمة العفو الدولية هي حقائق تستند إلى شهادات واقعية، وليست مجرد أساطير كما يحاول الإعلام الحكومي أن يظهرها للرأي العام.

ولكن الأمر اللافت الذي يستوقفنا في هذا الموضع هو مسألة التوقيت، حيث يأتي موعد عرض حلقة الأكاذيب هذه حول سجن الحائر بالتزامن مع تصاعد حملات مطالبة السلطات بالكشف عن مصير المعتقل الشيخ سلمان العودة، بعد أن تم نقله إلى المستشفى إثر تدهور وضعه الصحي في العزل الانفرادي، والتي ترافقت بحملات أخرى تطالب بالإفراج الفوري عن العودة وعن جميع معتقلي الرأي .. مسألة التوقيت هذه ليست اعتباطية، فمن الواضح تماماً أن الإعلام الحكومي اختار عرض هذه الحلقة بعد أقل من أسبوع على نقل العودة إلى المستشفى، محاولاً بذلك تزييف الحقائق حول السجون ومايجري فيها من انتهاكات، وحرف بوصلة الرأي العام عن حجم الإهمال الذي تعرّض له العودة وغيره من أصحاب الفكر الذين اعتقلوا منذ سبتمبر الماضي، وحتى اولئك القابعون في المعتقلات منذ سنوات من دون ذنب.

لا ننسى ختاماً أن نلفت نظر الإعلام الحكومي إلى حقيقة غابت عنه أثناء التحضير لقلب الحقائق حول سجن الحائر، وهي أن ذلك الرمز الوطني الذي حاولت حلقة ياهلا حرف الأنظار عنه، ونقصد الشيخ سلمان العودة، كان يوماً ما معتقلاً داخل السجن ذاته، وقد شاهد بأمّ عينه الحقيقة كاملة، وعرف حقّ المعرفة كيف تتم معاملة سجين الرأي، بحيث أن من يعتقل لا يعرف إن كان سيخرج من ذلك المكان أم سيدفن داخله.