رسالة اعضاء جمعية حسم للملك عبدالله عام 2009 حول كارثة جدة

جمعية الحقوق المدنية والسياسية في خطاب للملك عبدالله: لكي لا تتكرر كارثة جدة البرلمان بر الأمان

لكي لا تتكرر كارثة جدة: البرلمان بر الأمان
نطالب بالمشاركة الشعبية في صناعة القرار السياسي تأكيداً لمبدأ قوامة الأمة على النظام السياسي وتطبيقاً لشرط البيعة الأكبر على الكتاب والسنة: صدور الحكم عن قرارات نواب الأمة المنتخبين لأن ذلك هو العلاج الفعّال ضد الفساد السياسي والضامن الوحيد للشفافية والمراقبة والمحاسبة والنزاهة.

بسم الله الرحمن الرحيم

خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود وفقنا الله وإياه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يطيب لجمعية الحقوق المدنية والسياسية أن تشكركم على حرصكم على حماية المال العام وملاحقة الفاسدين والمفسدين، الذين أسهموا في نهب المال العام وضيعوا مقدرات الأمة، وتسببوا في تخلف البلد رغم الموارد والميزانيات العامة الضخمة التي ترصد سنوياً، ولكن مع الأسف الشديد ينتهي بها المطاف في الحسابات السرية في البنوك الأجنبية دون تأثير ملموس يذكر على المواطنين الذين يعانون الفقر المدقع والحرمان من الخدمات الأساسية المتوافرة في البلدان النامية الفقيرة.
بل إن الأمر تجاوز كل الحدود حيث تسبب داء الفساد السياسي (الإداري) المزمن إلى القتل الجماعي للمواطنين، فمع الأسف الشديد أضحى الفساد السياسي صبغة غالبة على سلوك بعض الأمراء الذين يحتلون المناصب العليا في الدولة ويتنافسون للاستحواذ على المال العام وتحقيق الثراء غير المشروع، بغض النظر عن الوسيلة حتى لو من خلال المتاجرة بحياة وأعراض الناس ومقدرات البلاد (راجع مقال الصحفي الأمريكي المخضرم سيمور هيرش المعنون “فدية الملك”، مجلة النيويوركر الأسبوعية، عدد 22 أكتوبر 2001م، صفحة 35 ).

لقد كشفت كارثة جدة عن واقع خطير ومنعطف مصيري تمر به بلادنا، ليس في مدينة جدة فحسب ولكن في بقية المدن والقرى، التي تعاني من غياب أو تهالك البنية التحتية، والتي تنتظر لموسم مطير حتى تبين عيوبها وتظهر سوأتها. لذا فإنه يتوجب علينا-والحال كذلك- اتخاذ كافة الإجراءات الوقائية والخطوات الاحترازية، حتى لا تقع مأساة أخرى لا قدر الله، تذهب فيها الأنفس الزكية وتتحطم الأسر وتدمر المنازل والممتلكات.
إن كارثة جدة بمثابة ناقوس خطر دق ليوقظنا من غفلتنا لنتنبه للأخطار المحدقة التي تواجه الإنسان في بلادنا، الذي أصبحت حياته رخيصة حيث يتركه المسئولون في أمارة مكة يغرق في مياه الصرف الصحي، على الرغم من ابتلاع عشرات المليارات في عقود لم تنفّذ، والنتيجة هي تلك الصور المرعبة التي بثتها وكالات الأنباء العالمية لأجساد المواطنين الغارقين في مستنقعات الصرف الصحي!!
خادم الحرمين الشريفين،
إن واجبنا الوطني يحتم علينا أن نخاطبكم بكل صراحة وصدق، بعيداً عن لغة المديح والتزلف والنفاق، وبعيداً عن أسلوب التلميح والتورية في حكايات كليلة ودمنة، لاسيما أن الأمر يتعلق بحياة المواطنين التي أصبحت عرضة للمتاجرة، من قبل أمراء الظلام وعصابات السلب والنهب التي يديرونها في الخفاء تحت مسميات مواطنين موظفين في دواوينهم وإمارات المناطق، ليبقى بعض أمراء المناطق حكاماً يتولون الأمور السياسية العليا التي تتعلق بأمور المنطقة، ولكنهم يمتلكون مخططات عقارية في الخفاء، وعقود مقاولات بعشرات المليارات.
وكل ذلك يتم في سريّة تامة بعيداً عن عيون الرقابة، فضلاً عن الملاحقة القضائية التي تبدو مستحيلة. يساعد على هذا الوضع البائس غياب الصحافة الحرة التي تكشف السرقات والمخالفات المالية الخطيرة، بل على العكس تماماً تحولت الصحف التي يشرف عليها بعض أمراء المناطق إلى جوقات لكيل المديح، وإلقاء اللائمة على المواطنين المغلوبين على أمرهم، ومما يدلل على ذلك أن أحد رؤساء تحرير الصحف الموالين للاستبداد، كتب فور غرق جدة مقالاً يضع اللوم فيه على الضحايا الذين لا حول لهم ولا قوة!!. ويندرج في ذلك أن بعض فقهاء السلفية السلطانية أصدروا بياناً يعتبرون ما أصاب جدة ناتجاً عن ذنوب الضحايا، ومن المعلوم أن أكثر الضحايا هم من الفقراء، وكأن الأغنياء وفي مقدمتهم أمراء الظلام لا ذنوب لهم!!.
إن القاعدة البسيطة في علم الإدارة تقول “إن المسئولية تقاس على قدر الصلاحية (السلطة)”، والقاعدة الأخرى تقول “السلطة المطلقة مفسدة مطلقة”، وعليه فإن على أمير المنطقة مسئولية مطلقة لأنه مخول من قبل الملك بصلاحيات واسعة في إدارة شئون المنطقة، فليس له التنصل منها بإلقاء المسئولية على “أمين” البلدية أو مدير الصرف الصحي، فالسلطة تفوض والمسئولية لا تفوض.