بين الأمير وصاحب التفكير

في ميدان الملك عبد العزيز للفروسية، بالجنادرية شمال الرياض، ووسط حشد من الأمراء وأصحاب الشأن وأمام كاميرات التلفزيون، يظهر متعب بن عبد الله أميراً مجدداً .. بعد أن كان اسمه مسبوقاً قبل أسابيع فقط بكلمة معتقل أو متهم بالفساد.

لكن للمال لغة خاصة، تسمى في أحدث قوانين النيابة العامة السعودية تسوية ويسميها القضاء السعودي أيضاً خياراً لا مانع من عرضه على الأمراء المتهمين بالفسادالمقيمين في الرتزكارلتون  بحيث إما يدفعون المال أو يعرضون على المحاكمة.

وقد حصلت عدة مقايضات بالفعل، فباعتراف السلطات نفسها تم الإفراج عن 23 متهماً بالفساد خلال الأيام القليلة الماضية، وهو نفس السيناريو الذي حصل مع وزير الحرس الوطني السابق متعب بن عبد الله، والوزير إبراهيم العساف وعدد من رجال الأعمال.

هذه التسوية كان باباً خرج منه الأمير متعب إلى العلن، ليتنقل كما يشاء مجدداً داخل المملكة، ويشارك في الفعاليات العامة بشكل طبيعي .. بل ويقف في مقدمة مستقبلي ولي العهد لدى وصوله إلى حفل الجنادرية السنوي لسباق الخيل، ويتبادل معه أطراف الحديثولعلنا نراه قريباً في جولة سياحية خارج المملكة، رغم أنه كان أحد كبار الفاسدين، حسب رواية السلطات

لاحرج إذاً في عرف الدولة التي تنتهك الحقوق وتتلاعب بالقوانين كيفما تشاء بمزاجية وانتقائية، أن يظهر المتهمون بالفساد في المحافل العامة .. لا حرج كما يبدو في أن يصافح رئيس لجنة مكافحة الفساد أحد أولئك الفاسدين علناً وأمام الكاميرات ويجري معهحديثاً جانبياً خاصاً كما وصفه الإعلام الحكومي.

وفي مشهد متقارب أيضاً، يظهر وزير المالية السابق، إبراهيم العساف، في صور على مواقع الإعلام الحكومي وهو يحضر أولى جلسات مجلس الوزراء في شهر يناير الجاري، وتُعلّق وسائل الإعلام تلك بأنّ الوزير عاد لعمله في مجلس الوزراء، وكأنما هو ليس الشخص ذاته الذي أعلنت نفس وسائل الإعلام تلك في 4 نوفمبر 2017 أي قبل نحو شهرين فقط أنهتم إيقافه بتهم الفساد وقبول الرشاوى في عدة ملفات من ضمنها توسعة الحرم الشريف.

إنّ مايثير الدهشة بالفعل في هذا الموضع هو عدم اكتراث السلطات بالتأثير السلبي لمشاركة الفاسدين علناً في النشاطات العامة الملكية، على ماسمته حرباً على الفساد .. فكيف لمجتمع أن يثق بأنّ النيابة العامة في بلاده تريد بالفعل وضع حد للفساد، في حين أنه يرى شخصاً كان أميراً يصبح فاسداً بين ليلة وضحاها ثم يمسي مجدداً أميراً وكأن شيئاً لم يكن !؟ كيف لهذا المجتمع أن يشعر بالتفاؤل بمستقبل أفضل وهو يرى علناً أن الجلاد هو نفسه القاضي وهو نفسه المحامي؟!

نعم الجلاد والقاضي والمحامي هم كيان واحد في السعودية، هذا الكيان الذي يكيل بمكيالين فيسمح للأمير الفاسد بالظهور إلى العلن بعد الإفراج عنه، وفي الوقت ذاته يقيد حرية المثقف، صاحب الرأي والتفكير، بعد إطلاق سراحه من الاعتقال التعسفي .. كيان يبيح للفاسد ممارسة حياته بشكل طبيعي ويحظر على المفكر الكتابة في منصات التواصل الاجتماعي، ويمنعه من السفر وحتى من التمتع بأبسط حقوقه، وليس أدلّ على كل هذا مما جرى مع الشاعر زياد بن نحيت المُفرج عنه مؤخراً بعد 3 شهور من الاعتقال.

خرج ابن نحيت من الاعتقال وظهر في بعض الصور الخاصة، نحيلاً شاحب الوجه، تبدو عليه ملامح الإجهاد والتعب النفسي .. ورغم أنّ قرابة عشرة أيام مرّت منذ الإفراج عنه وحتى تاريخ إعداد هذا التقرير، إلا أن السلطات لم تعلن أي سبب قانوني للإفراج عنه، مثلما تكتّمت فيما سبق عن سبب اعتقاله هو وعشراتٌ آخرون من أصحاب الفكر والرأي.

لكن الأمر اللافت في هذا الموضع أن الشاعر المرموق، الذي كان شاعر المليون قبل الاعتقال ويظهر على الهواء مباشرة أمام كاميرات التلفزيون، بات اليوم ممنوعاً من الظهور إلى العلن .. فلم يره جمهوره على مواقع التواصل الاجتماعي إلا في مقطعين يتيمين يظهر فيهما وحيداً أو برفقة قريب، وهو يلقي بعض أبيات الشعر، في مشهد يكسر القلب مقارنة بحاله السابقة قبل الاعتقال.

وبين حال الأمير وصاحب التفكير، تتوه الكلمات في وصف هذا التفاوت والتمييز والانتقائية في التعامل مع المفرج عنهم، في دولة صار لسان حالها التعسف في الاعتقالات والتمادي في القمع وفي خروقات حقوق الإنسان.