المثقف السعودي ضحية سلاح الانتقائية والاعتقال التعسفي

عندما قرر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مؤخراً الإفراج عن الشاعر زياد بن نحيت بعد 3 أشهر من اعتقاله تعسفاً .. أثيرت عاصفةٌ من التساؤلات، أبرزها: لماذا بالذات اختير ابن نحيت وليس غيره؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟

وقد أثيرت تساؤلات مماثلة أيضاً قبل أيام من هذه الحادثة، مع خروج شيخ المعتقلين سليمان الرشودي من السجن بعد 5 سنوات من السجن، رغم أن الحكم عليه بالسجن كان لمدة 15 عاماً، وكذلك مع خروج الباحث عبد الرحمن صديق بعد 12 عشر عاماً من السجن، رغم أنه محكومٌ ب 20 عاماً من السجن.

لم تصرح السلطاتُ بأسباب الإفراج عن ابن نحيت، مثلما سكتت فيما سبق عن أسبابِ اعتقاله، هو وعشرات من المثقفين والأكاديميين والمدرّسين الجامعيين والدعاة الذين اعتقلوا في حملة تعسفية لاتزال مستمرة منذ مطلع سبتمبر الفائت.

اعتقل اولئك بشكل تعسفي بعد اقتحام منازلهم أو أماكن عملهم، وتفتيشها من دون أوامر قضائية ولامسببات قانونية وتم اقتيادهم إلى أماكن احتجاز لايزال معظمها مجهول – باستثناء ماوردنا من بعض أهالي المعتقلين مؤخراً بأنّ لهم أبناء في سجن ذهبان. ومنذ ساعة الاعتقال حتى ساعة إعداد هذا التقرير، لم تخرج السلطات ببيان رسمي حول تفاصيل أو تهم أو مواعيد محاكمات أي ممن اعتقلتهم، واكتفت بعبارات عامة فضفاضة من قبيل الإخلال بالأمن أو التعاون مع جهات إرهابية.

وبالعودة إلى صديق والرشودي وابن نحيت، فإننا لا نخفي سرورنا بخروجهم إلى الحرية، واسترداد حقٍ طبيعي لهم كانت قد حرمتهم منه السلطات من دونما سبب، ولكن هذا السرور منقوص طالما أنّ العشرات، بل المئات من أصحاب الرأي والفكر لا يزالون خلف القضبان..

حقٌ استردوه بشكل انتقائي ومن دون أن يعلموا سبب ذلك .. وإن كانت ترجيحاتنا في شأن الرشودي تقول إنّ خروجه من السجن بعد انقضاء ثلث المدة فقط هي بسبب مخاوف السلطات من وفاته داخل السجن، بالنظر إلى سنه ومرضه، ونعني مخاوفها من انتقادات الرأي العام المحلي والعالمي، وأما في شأن زياد بن نحيت فالأمر اقتصر على ما أعلنته السلطات بالقول إن “ولي العهد قرر الإفراج عن الشاعر باستثناء” .. ولكن ما السبب ؟ لم تعلن السلطات أي شيء في هذا الخصوص.

فأي انتهاك هذا أن يدخل المثقف وصاحب الفكر الحر السجن من دونما سبب، ويخرج من دونما سبب .. يسلب حريته في وقت تقرره السلطات وتُعاد إليه تلك الحرية في وقت تقرره السلطات أيضاً .. ولكن حكاية الانتهاكات لم تنتهِ عند هذا الحد، فلا تعويض يقدّم إلى المعتقل بعد الإفراج عنه، بل على العكس تماماً، لعله يمنع من السفر لسنوات ويحرم من حقه في الخروج من بلده والعودة إليه في الوقت الذي يشاء .. أيام وشهور وسنوات يخسرها معتقل الرأي داخل السجن ثم يخرج منه وكأنّ شيئاً لم يكن بنظر السلطات التي لا تلقي بالاً لتلك الخسارة.

وما يزيد الأمر سوءاً أن هذا النهج يطال جميع المعتقلين الحقوقيين والمعتقلين لأجل رأيهم الحر أو حتى من اعتقل من أجل صمته .. انتقائية في الاعتقال .. انتقائية في العرض على المحاكم .. انتقائية في العزل الانفرادي .. انتقائية في تقليص الحكم بالسجن أو تمديده .. وانتقائية في إطلاق السراح.

كلُّ هذا وغيرُه نتيجة طبيعية في بيئة تنعدم فيها حقوق الإنسان، وتغيب فيها الشفافية والمحاسبة والرقابة الشعبية على القضاء وعلى ممارسات السلطات، وتبقى فيها النيابة العامة والقضاء والقوانين كلها رهن مزاجية سلطة الملك وولي عهده.