السعودية ومعادلات الخوف

بخمس سنوات سجن، ومثلها منع من السفر بعد الخروج من الاعتقال، حكمت المحكمة الجزائية على الصحفي السعودي صالح الشيحي، صاحب الزاوية اليومية في جريدة الوطن، وكانت تهمته “القدح والإساءة إلى الديوان الملكي والعاملين فيه”، وذلك وفق وصف القاضي لماقام به الشيحي من كشفٍ لأحد جوانب الفساد الذي يدور في الديوان الملكي، خلال مقابلة تلفزيونية على قناة روتانا خليجية، يوم 8 من شهر نوفمبر 2017 !!

وليس هذا الحُكمُ الجائر على الشيحي هو آخر الانتهاكات، إذ أنّه وبالتزامن مع إصدار الحكم، تم التأكد من الاعتقال التعسفي لناشطة مستقلة، هي ليست إلا طالبة جامعية حاولت خلال بعض مقاطع الفيديو القصيرة وبعض التغريدات المطالبة بالحقوق الطبيعية لها ولأقرانها من بنات جيلها في المملكة، كما أنها أبدت بعض الملاحظات والانتقادات حول التطبيع مع إسرائيل، لتكون كلماتها هذه وللأسف تهمة تعتقلها بسببها السلطات السعودية، بشكل تعسفي .. إنها نهى البلوي، التي من المتوقع أن تخضع لمحاكمة وفق قانون مكافحة جرائم المعلوماتية، الذي قد يُفضي بها إلى السجن 5 سنوات فقط من أجل قولها كلمات حق !!

نعم .. كلمات الشيحي والبلوي حول الفساد والتطبيع هي كلماتُ حقٍ أخافت الدولة، وهزّت أركانها، فكان سجنهما هو المهرب الوحيد الذي لجأت له السلطات، في محاولة لكتم صوتيهما، ومنعه من الوصول إلى الرأي العام !

هذا الخوف الذي يُقلق السلطات السعودية، لم يُولد حديثاً، فقد كان يكبر رويداً رويداً منذ تولي محمد بن سلمان منصب ولي العهد في شهر يونيو من العام الماضي، ليتصاعد بشكل لافت خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، في حملة اعتقالات تعسفية انطلقت مطلع سبتمبر الماضي وطالت العشرات من الأكاديميين والدعاة وغيرهم.

ولأن السلطات السعودية تخشى كلمات الحق، لم تتحمل سماع كلمات قالها مغرّدون مستقلون .. طالبوا بحقوقهم أو وجهوا النصيحة إلى الملك أو انتقدوا المستشار الملكي، فكانوا من ضحايا الاعتقال التعسفي مثل المغرّد البناخي.

ومثلما خافت السلطات من الآراء العفوية، أصيبت بالرعب أكثر من آراء الخبراء، فكان من ضحايا الاعتقالات التعسفية أيضاً خلال الأشهر الماضية خبراء في الاقتصاد مثل عصام الزامل أو جميل فارسي، اللذين حذرا كثيراً من بيع أسهم آرامكو، ومن التأثيرات السلبية لذلك على المجتمع السعودي في حال حصوله، كما كان من بين المعتقلين صحفيون من أصحاب الأقلام الحرّة وإعلاميون تميّزوا بأن برامجهم التلفزيونية تستضيف شخصيات ناقدة أو شخصيات تقول الحق مهما حصل .. ولذلك كان من بين الذين اعتقلوا مؤخراً وجوه إعلامية مميزة مثل الدكتور فهد السنيدي والدكتور علي العمري.

ولم يكن هؤلاء فحسب مصدر قلق وخوف غير مبرر للسلطات السعودية، فالدولة كما يبدو تخشى أساتذة الجامعات وتخشى حملة الشهادات العليا وتخشى من له متابعون بالملايين على صفحات التواصل الاجتماعي .. ولعل هذا مايفسر إلى حد ما وجود شخصيات اعتبارية مثل محمد صالح المنجد، وعادل باناعمة وعبدالله المالكي ومصطفى الحسن وعبدالمحسن الأحمد وعوض القرني وغيرهم داخل المعتقل منذ شهور من دون تهمة ..

ورغم كل هذا، فما لا يمكن تفسيره هو خشية السلطات حتى من الصمت .. فقد اعتقلت كثيراً من الشخصيات التي لم تكن تتخذ مواقف ولم تكن توجه انتقادات إلى أية جهة، بل كانت على الدوام تدعو إلى الاعتدال وإلى الوسطية وإلى التوافق وعدم الاختلاف، من أمثال الشيخ سلمان العودة وغيره ممن اختاروا طوعاً عدم الخوض في المسائل المتعلقة بسياسات المملكة الداخلية أو الخارجية.

تخشى السلطات إذاً كل كلمة فيها الحق .. وفي الوقت ذاته تخشى الصمت .. وتخشى من لم يعلن تأييد الملك وولي عهده بشكل علني وصريح .. وتخشى كل قلم صحفي لم يكن مثل الببغاء ويكرر مايأتي في الإعلام الحكومي من تهليل للإنجازات الملكية، بحيث أن كل من تخشاه السلطات يكون ضحية للقمع والاعتقال والنفي .. أو يكون ضحية لأحكام جائرة تستند إلى القوانين التي تضعها المملكة بلغة فضفاضة ليسهل التلاعب بها وخرقها متى شاءت السلطات.