السجون السعودية في حضرة الكذب

مشتلٌ زراعي على مد النظر .. مساحاتٌ خضراء جميلة .. مجلسٌ للضيافة .. خدماتٌ مُثلى .. برامجُ توعية .. مكتبةٌ وصالةٌ رياضية .. و وحدةٌ إعلامية لهواة الصحافة !!

بهذه الأوصاف اكتظت مقالتي عبد العزيز قاسم الأخيرتين لما قال إنه رآه بعينيه خلال زيارة أجراها لسجن ذهبان في جدة .. ولعله نسي أن يذكر أيضاً أنه رأى المسابح الأوليمبية وصالات السينما والمسارح المجهزة وفق المواصفات العالمية !! ولعله نسي أن يذكر أنه تحدّث مع مضيفين ومضيفات عالميين يقومون بخدمة من يسميهم النزلاء هناك!!

ليس غريباً على مثل هذا المؤلّف – وهو اللفظ الأدق لوصف أمثال عبد العزيز قاسم الذين يتقنون فن تأليف الخيالات بما يفوق الأساطير الكلاسيكية – أن يصف سجن ذهبان بهذا الشكل، وهو الذي أقسم بالله في مقالة حملت عنوان “جولة في أروقة سجن ذهبان الشهير”

نهاية عام 2012 بأن السجن فيه “غرف خلوات للمساجين شبيهة بغرف فنادق الخمس نجوم”  ..

ليس غريباً عليه أن يتجرأ على التمهيد والتشويق لمقالة ثالثة حول نفس تلك الزيارة، وليس غريباً أن يغرّد بجميع جمل مقالتيه بعد نشرهما بطريقة تذكر باللص الذين يتواجه من غير حساب مع الشرطي .. فيعمد إلى تكرار نفس الكذبة المرة تلو الأخرى ظناً منه أن التكرار طريق التصديق، أو كالطفل الذي يريد أن يقنع أباه ووأمَه بأن ما رآه في مخيلته هو حقيقي فيعيد سرد القصة نفسها وبالحرفية ذاتها علّهم يصدقون..

لكن المبالغات في المقالتين فاق حدّ التصديق وحدود المنطق والعقل، وخاصة أن قاسم يستضيف في كل منهما قامة علمية وشخصية مجتمعية بارزة ممن اعتقلوا بداية الحملة التعسفية الأخيرة في شهر سبتمبر 2017 ..

في المقالة الأولى يزعم قاسم أنه جالس الشيخ سلمان العودة أثناء فسحته اليومية وسط المشتل الأخضر الجميل .. وفي الثانية يحلُّ قاسم ضيفاً على الشيخ عوض القرني في مجلس الضيافة .. لوهلة يظن القارئ أن المشتل والمجلس هما داخل فندق عشر نجوم بالفعل، لكن تلك الوهلة لاتطول، بل إنّ مشاعر مختلطة بين الصدمة والغضب تجتاح القارئ، وهو يتجول في سطور المقالتين ويسمع أنّ الشيخ العودة في أحسن حال ويجلس مسروراً في المشتل، وإنّ دخوله إلى المستشفى في شهر يناير كان فقط لإجراء فحوصات بعد تأخر دواءي الضغط والكولسترول عنه .. وأنّ الشيخ القرني قد خسر 25 كيلوغراماً من وزنه لأنه قرر أن يستغل وجوده في السجن لإجراء حمية غذائية كان يحلم أن يجريها وهو خارج السجن !!

أيُّ استخفاف بالعقول هذا الذي جاء به قلم عبد العزيز قاسم .. أي محاولة للتقليل من قدر هذين الشيخين هذه التي تضمنتها أسطر المقالتين!؟

لكن الأمر ليس اعتباطياً، فالتوقيت الذي تعمّد الإعلام الحكومي أن يوجّه عبدالعزيز قاسم لنشره هاتين المقالتين، يتزامن مع تصاعد حملات المطالبة بالكشف عن مصير الشيخ سلمان العودة وبقية معتقلي الرأي، سواء على مستوى النشطاء أو على مستوى منظمتي العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش اللتين تفاعلتا وبقوة مع تجاهل السلطات لمطالب توضيح الحالة الصحية للعودة بعد أن أكدت عائلته مراراً أنهم ممنوعون من التواصل معه والاطمئنان على صحته ..

المقالتان أيضاً تزامنتا مع المطالبات بتعليق عضوية السعودية في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والتقرير المرفق الذي تقدّم به المحاميان البريطانيان كين ماكدونالد و رودني ديكسون إلى ذلك المجلس بناءً على شهادات عدد من أسر معتقلي سبتمبر .. وذلك إثر صدور حكم بالسجن الجائر مدة مجموعها 21 عاماً على كلٍ من الناشطَين الحقوقيَين محمد العتيبي وعبد الله العطاوي بتهمة “المشاركة في تأسيس جمعية الاتحاد الحقوقية” ..

كل هذه الضربات الموجعة على رأس السلطات السعودية، لا بد أنها سببت لها حالة من الإرباك غير المتوقع والمفاجئ بعد شهور من التكتم على مصير العشرات ممن اعتقلوا بما يشبه الاختطاف .. مما دفع المسؤولين في الإعلام الحكومي للزج بعبد العزيز قاسم في فوهة مدفع تبرير الجرائم الحقوقية، من أجل نسج جملة من الأكاذيب حول مصير العودة والقرني، والتمهيد لقصتين أخريين حول جميل فارسي وعادل باناعمة في مقالة ثالثة قال إنه سينشرها قريباً..

فلينشرها إذاً .. فلن تؤثر كذبة جديدة على الرأي العام السعودي ولا حتى العالمي، ولن تصلح صورة أحرقتها كثرة الانتهاكات الحقوقية داخل السجون، وكشفتها للعلن شهادات حقيقية لمن كانوا خلف جدران المعتقلات من قبل ..

فلينشرها ولينشر غيرها .. فالمجتمع اليوم بات مدركاً لكل تلك الحقائق، وقد ثبت ذلك قبل أيام قليلة أيضاً حين لاقت محاولات تلميع سجن الحاير في برنامج ياهلا فشلاً ذريعاً في إيصال الرسالة المزيفة بأنّ السجون أشبه بالفنادق الفاخرة .. ولن تصل هذه الرسالة أبداً .. فالمُرسِل غارق بأوهامه .. و العنوان خاطئ.